أنفيلد يبتلع أتلتيكو مجدداً: ليفربول ينتصر على الألم قبل أن ينتصر على الخصم
"الرجال الحمر" يقلبون تأخرهم أمام أتلتيكو مدريد إلى فوز 2-1 في افتتاح دوري أبطال أوروبا، بعدما صاغ سزوبوسلاي التعادل وأنهى ماك أليستر القصة بتوقيعه الخاص
بقلم: د. طلال عثمان، المدير العام — GCC Sport
أنفيلد، ليفربول — في مباراة كان يمكن أن تتحول إلى كمين آخر من كمائن دييغو سيميوني الأوروبية، اختار ليفربول أن يكتب النهاية بنفسه. فاز الفريق الإنجليزي على أتلتيكو مدريد 2-1 مساء الأربعاء على ملعبه، في افتتاحية المرحلة الأولى من دوري أبطال أوروبا لموسم 2026-2027، بأهداف سجّلها دومينيك سزوبوسلاي وأليكسيس ماك أليستر، مقابل هدف مبكر لماركوس يورنتي. نتيجة تبدو في سطر جدول الترتيب مجرد ثلاث نقاط، لكنها في جوهرها اعتراف صريح بأن "الروخيبلانكوس" ما زالوا قادرين على إيذاء العمالقة، وأن ليفربول ما زال يحتاج إلى دقيقة أو دقيقتين من الألم قبل أن يتذكر من هو.
بدأ أتلتيكو المباراة بجرأة لم تكن في الحسبان، مصطفّاً بثلاثي دفاعي أرغم خط وسط ليفربول على إعادة حساباته وهو لا يزال في مرحلة القراءة. الثغرة التي فتحها هذا التبديل التكتيكي كانت كافية ليستغلها يورنتي في الدقيقة 17، بعد تمريرة من خوليان ألفاريز، ليضع الكرة فوق أليسون بهدوء لاعب يعرف طريقه إلى مرمى أنفيلد جيداً. كانت اللحظة تحمل توقيعاً مألوفاً؛ فالمهاجم الإسباني لطالما وجد في هذا الملعب تحديداً مساحة لا يجدها في غيره.
غير أن ليفربول، الذي بدا في الدقائق الأولى وكأنه يلهث خلف إيقاع لم يفرضه بنفسه، استعاد زمام المبادرة تدريجياً عبر جناحيه الشابين ريو نغوموها وبرادلي باركولا، قبل أن يأتي الرد في الدقيقة 39 بتسديدة يمنى محسوبة من سزوبوسلاي استقرت في الزاوية السفلى. لم يكن هذا الهدف مجرد تعادل عابر؛ كان إعلان نية. فقد حرم سيميوني من ترف الذهاب إلى الاستراحة بتقدم يمنحه هامش المناورة الدفاعية، وأعاد المباراة إلى نقطة الصفر النفسي قبل أن تبدأ.
في الشوط الثاني، ظهر ليفربول بوجه مختلف تماماً فريق تخلّص من ثقل التأخر في النتيجة، فأصبح أكثر تحرراً وأكثر جماعية في الضغط العالي. من هذا الضغط وُلد هدف الفوز في الدقيقة 50، حين استغل ماك أليستر مساحة صنعها له نغوموها بمراوغاته المتكررة على الطرف الأيسر، وأطلق تسديدة قوية بقدمه اليسرى غير المفضلة من خارج منطقة الجزاء، لتنسكب الكرة في الشباك وتقلب موازين اللقاء رأساً على عقب. توقيت الهدف بعد خمس دقائق فقط من استئناف اللعب كان بمثابة سكين إضافية في معنويات أتلتيكو، الذي وجد نفسه فجأة مضطراً لملاحقة مباراة كان يظن قبل نصف ساعة أنه يسيطر عليها.
الأرقام وحدها لا تروي الحكاية كاملة، بل تكاد تضلل من يقرأها على عجل: استحوذ أتلتيكو على الكرة بنسبة 55% مقابل 45% لليفربول، وأكمل 473 تمريرة مقابل 439، لكنه اكتفى بثماني محاولات تهديفية مقابل ست عشرة محاولة لصاحب الأرض، أربع منها فقط على المرمى مقابل سبع لليفربول. هذا التباين هو جوهر القصة التكتيكية لهذه المباراة: فريق يملك الكرة، وفريق يعرف ماذا يفعل بها حين لا يملكها. أضف إلى ذلك أن أليسون تصدى لمحاولتين خطيرتين لألفاريز في الشوط الثاني، لتكتمل صورة حارس أنقذ نقاطاً بقدر ما أنقذتها أقدام زملائه.
لكن الفوز، على أهميته، لم يُخفِ عن أرني سلوت مصدر قلق متكرر بدأ يفرض نفسه على مزاج المدرب الهولندي أكثر من فرحته باللقب المؤقت. فمن أصل أربع مباريات خاضها ليفربول هذا الموسم، تأخر الفريق في النتيجة ثلاث مرات قبل أن يقلب الطاولة. عبارة سلوت نفسها تلخص الإشكال: "أربع مباريات، وثلاث مرات نعود من التأخر". إنها شهادة على شخصية فريق لا يعرف الاستسلام، لكنها في الوقت ذاته جرس إنذار دفاعي؛ فالفوز بالمعجزة عادة لا يتكرر إلى ما لا نهاية، وإخفاق ليفربول في متابعة الظهيرين المرتدين لأتلتيكو في الدقائق الأولى كان خللاً تكتيكياً واضحاً قد لا يغتفره خصم أكثر برودة في مباراة قادمة.
في المقابل الفني، بدا دييغو سيميوني أقرب إلى الفيلسوف منه إلى المدرب الغاضب، معترفاً بمرحلة إعادة بناء لا يخفيها عن أحد: "قلت من قبل إننا في مرحلة بناء. الناس لا يحبون سماع هذا الكلام، لكننا نبني، وما زال أمامنا أشياء كثيرة يجب ترتيبها." ولم يفته أن يمنح فريقه شهادة تقدير رغم الخسارة: "أعتقد أن الفريق بذل كل ما لديه، إنها مباراة مهمة حقاً"، قبل أن يخص خوليان ألفاريز بإشادة خاصة: "كان رائعاً، أراد الكرة طوال الوقت، من الدقيقة الأولى حتى التسعين." أما تشخيصه لجوهر الأزمة فجاء بصياغة لا تخلو من حكمة الرجل الذي جرّب كل شيء في هذه اللعبة: "التفاصيل الصغيرة في كرة القدم هي ما يحدد إن كنت في القمة، أو في المنتصف، أو في القاع."
خارج الملعب، حملت الأمسية فصلاً فرعياً قد يتحول قريباً إلى عنوان رئيسي: هدف ماك أليستر الحاسم جاء بعد أسابيع من خيبة أمل علنية عبّر عنها الأرجنتيني إثر إبلاغه من إدارة ليفربول بعدم نيتها تجديد عقده. أداء بهذا الوهج، في مباراة بهذا الوزن، قد يكون أفضل وسيلة ضغط يملكها لاعب لإعادة فتح ملف مصيره في أنفيلد — خصوصاً وأن أتلتيكو مدريد نفسه، بحسب تقارير متداولة، يرصد الموقف عن كثب استعداداً لعرض قد يُطرح في نافذة انتقالات 2027.
بهذا الفوز، يفتح ليفربول مشواره الأوروبي بثلاث نقاط ثمينة قبل رحلة قارية شاقة تنتظره أمام إنتر ميلان، كلوب بروج، فنربخشة، ولاسك لينز. أما أتلتيكو، الذي وصل إلى أنفيلد وهو لا يزال يجرّ خلفه هزيمة محلية قاسية بثلاثية نظيفة أمام أتلتيك بيلباو، فيغادر بخسارة تضاف إلى سجل موسم لم يستقر على هوية بعد، قبل اختبارات لن ترحم أحداً أمام مانشستر يونايتد وشتوتغارت وبايرن ميونخ. الرسالة التي يحملها أنفيلد هذه المرة واضحة: ليفربول ما زال يتعثر قبل أن يركض، لكنه حين يركض، نادراً ما يوقفه أحد.